لكل كتابٍ عنوان
, أما الوطن فليس له إلا علم يرفرف فوق هامته , إنه يحمل بين طياته معاني ورموزا أودعتْ
فيه من خلال ركائز أساسيةٍ ثلاث : الزمن , والتاريخ , والرجال ... فهو عظيم بالمعاني
التي يحملها , فلا تراه مرفرفاً إلا على مكانٍ شامخٍ , أو بجوار بطلٍ عظيمٍ , أو على
ذكريات تاريخٍ وأمجادٍ بُنيتْ على يد الأسلاف الذين ضحوا بحياتهم ليبقى شامخاً سامقاً
, لذلك هو فوق الجميع , والكل يطرق أمامه احتراماً وإجلالاً , والكل يشعر بعظم المسؤولية
عندما يراه , ويبعث فيه مشاعر الفضيلة , والأخلاق السامية , وهو المادة المطهرة للأخلاق
فلا تجدها الأمة إلا فيه من خلال رمزيته وقدسيته , وهو عنوان العدل والمساواة , فالكل
أمامه سواسية , وهو عُنوان الهمة والنشاط , فكل من بطأ به عمله , أو تعبتْ جوارحه ,
أو كلتْ همته ينظر إليه فكأنه يدعوه للحاق بالركب , ويحثه على التقدم وعدم التراجع
والملل , وكأنه يقول إن درب الحضارة والتقدم هو عندي فاتبعني إلى القمم والعلالي ,
وهو بألوانه المتعددة المتلاصقة المتلاحمة يوحي إلى أتباعه بأنكم بهذا الشكل , وبهذا
التضامن تُفلحون وتُحلقون مثلي في سماء المجد والرفعة , وتسودون كما تروني سيداً .
فكثرة المعاني
والعناوين التي يحملها العلم هي كل ما يُمكن , أو يتسنى من طريقة تعريفه للإنسانية
, وفيه حقيقة أسمى وأدق من أن تُعرف بيقين الحاسة , أو تنحصر في إدراكها ألا وهي :
الاتحاد , اتحاد الأمة خلف قائدها وهي رمزية رائعة يحملها العلم , وحدة الأمة في لِحمة
الشعب وتكاتف أبنائه ,
وحدة الأسرة وتواصلها ..... فكل هذه المعاني يستطيع الإنسان أن يستلهمها من العلم ,
ففيه إيماءات رائعة , وعندما نرى الإنسان يقف أمام العلم بجميع مراحل الإنسان العمرية
, فلو تأملنا وقفة الأولاد الصغار أمامه تراهم مبتسمين , وعندما ينطقون بتحيته ترى
هذه الأفواه تنطق بأصوات لا تزال فيها نبرات الحنان من تقليد لغة الأم , وترى نظراتهم
إليه بعيون حالمة ناظرة للمستقبل بأمل وحماس , فتراهم جميعاً حوله في ثيابهم وألوانهم
كاجتماع قوس قزح في ألوانه .
ووقفة الشباب
الماضين في مرحلةٍ مفعمةٍ بالطاقة والقوة , فالعَلَم يُلهمهم ويُشعرهم بأن هذه الأمة
فيها قوة تغير الأيام , والشعور بهذه القدرة يعلمهم كيف تتسع روح البذل والعطاء , والشعور
بأن الحياة ليست دعةً وهدوءً , بل هي حركةٌ دائمةٌ للأمام , للمستقبل الذي يصبو إليه
جيل هذا الوطن العريق . وأما وقفة الكبار , فهي تكفي بأن تُلهم الجميع بأن قدرة العطاء
والتضحية عند رجال الأمس , والتفاني من أجل رِفعة الوطن , والذود عن علمه باقيةٌ ما
بقيتْ شمسٌ تسطع على سهوله الخضراء , وتجسد كل هذه المعاني كلمات هذه القصيدة المعبرة
:
دُم هكذا في علوٍ
أيها العلمُ فإننا بك بعد الله نعتصمُ
إن احتُقرتَ فإن
الشعب محتقرٌ أو احتُرمتَ فإن الشعب محترمُ
الشعبُ أنتَ وأنت
الشعبُ منتصباً وأنت أنت جلال الشعب والعظم
فإن تعشْ سالماً
عاشتْ سعادته وإنْ تمتْ ماتت الآمالُ والهممُ
هذا الهُتافُ
الذي يعلو فتسمعهُ جميعهُ لك , فاسلم أيها العلمُ
العلم في اللغة
:
العلم ( بفتح العين واللام ) يعني الراية وهي عبارة عن قطعة من القماش منقوش عليها
رمز أو رموز للدلالة على قبيلة أو عشيرة أو دولة معينة , ويُقال لما يُبنى من المنازل
يُستدل بها على الطريق , وهو أيضاً ما جُعل علامةً وعلماً للطرق والحدود , مثل أعلام
الحرم ومعالمه المضروبة عليه , وفي الحديث الشريف : (( تكون الأرض يوم القيامة ليس
فيها مَعلمٌ لأحد ٍ )) , وقيلَ المعلمُ الأثر , والعَلَم : المنار ,, قال ابن سيده
: والعلامة والعلم : الفصل يكون بين الأرضين , والعلامة والعلم شيءٌ يُنصبُ في الفلوات
تهتدي به الضالة , وقوله تعالى : (( وله الجواري المنشآتُ كالأعلام )) قالوا الأعلام
: الجبال , والعلم : العلامة والجبل الطويل , والأعلام هي رموز تعرف أشخاصاً ينتمون
إلى مجموعة واحدة ويجب أن يعامل العلم باحترام , وتختلف الأعلام بألوانها وأشكالها
من دولة لأخرى , ولكل دولة راية تميزها عن غيرها من الدول ومن أنواع العلم:
اللواء : وسمي
اللواء لواءً لأنه يُلوى لكبره فلا يُنشر إلا عند الحاجة , واللواء أيضاً طائرٌ يلوي
برأسه ويميله ومنه اقتبستْ التسمية
الراية : وهي
العلامة المنصوبة لكي يراها الناس وتكنى أم الحرب وتكون أكبر من اللواء
|